المراكشي الشرفي، ولد جامع الفنا، خوان غويتيصولو

ل: محمد بوعابد (أبو ريم)، شاعر، وأستاذ باحث

اختار الأديب العالمي خوان غويتيصولو، يوم تكريمه١ من طرف الأصدقاء في « ودادية سيدي بن سليمان الجزولي »، أن يطلق في الورقة، التي كتبها بتلك المناسبة، صفة « المراكشي الشرفي » على السيد مردخاي فعنونو، الذي كان قد انحاز للعدل والسلام، بدل أن يتابع الاشتغال وفق القيم التي تبناها مواطنوه المستوطنون الإسرائيليون، وذلك حين عمل على فضح ما كانت تهيئه الدولة الإسرائيلية في صحراء النقب من مفاعلات نووية، وما كانت تنتجه من قنابل ذرية فتكدسه استعدادا لمواصلة الهيمنة والاستيطان في إسرائيل التوراتية الكبرى، تلك التي تخالها تمتد من النيل حتى الفرات. ولم يكن اختيار خوان غويتيصولو أن يقوم بتكريم هذا اليهودي المراكشي، لحظة تكريمه هو النصراني الإسباني وولد جامع الفنا المراكشي، سوى امتداد لاختياراته الحياتية والوجودية، وهي التي تتمثل في الانحياز إلى صفوف المقموعين المضطهدين والهامشيين مع المهمشين، بغاية تحقيق صرخة مدوية في وجوه كل الماسكين بأزمة الأمور، أعني أولئك الذين تكلست الحياة عندهم في حدود ما يحيط بهم وما ينشغلون به من مراكمة للأموال ومن امتدادات للسيطرة والهيمنة على منابع الثروات

خوان غويتيصولو

 وإن هذا الاختيار ليسير في انسجام تام مع ما دأب عليه خوان غويتيصولو منذ شرع يؤسس أسطورته الشخصية، كاتبا أديبا، ومبدعا روائيا وناقدا فنيا، ومهتما بالتاريخ الثقافي والحضاري في بلد مولده ونشأته كما في العالم العربي ذي الصلات والوشائج ببلده وبالقارة العجوز. فهذا الأديب، الإسباني اللسان والإنساني الفكر والوجدان، ظل طيلة حياته متشبثا بالانتصار للقيم الإنسانية النبيلة، قيم الصدق والمروءة والحب والعدل والسلام… ولهذا فحين تقرر تكريمه من قبل أصدقائه المراكشيين اختار أن يقوم بتكريم رجل يهودي، مراكشي المولد، وإنساني الانتماء، أدان دولة إسرائيل وفضح ممارساتها العنصرية ضد المواطنين الفلسطينيين. وكأن خوان غويتيصولو بتكريمه لهذا اليهودي المراكشي، القابع حينئذ في السجون الإسرائيلية، إنما يسعى لتأكيد انتمائه إلى هذا الفضاء الحضاري الذي ورث الكثير مما أبدعه الإنسان في الغرب الإسلامي (المغرب الكبير وبلاد الأندلس)، ولبث محافظا عليه وصائنا إياه في العمران والملبس والمأكل، كما في الإبداع الشعري والنثري بالألسن واللغات واللهجات

 كان خوان غويتيصولو قد تعرف على المغرب في النصف الثاني من ستينيات القرن العشرين حين زار طنجة، واستقر بها مدة كتابته لمؤلفه الروائي « الضون خوليان »، وهو المؤلف الذي صفى فيه حساباته وعلاقاته مع بلده الذي لفظه ونبذه، ثم غادر طنجة والمغرب في اتجاه بوسطن ونيويورك لإلقاء محاضرات في جامعتيهما، وما عاد إلى المغرب من جديد سوى في منتصف العقد السبعيني، وعندئذ تيسرت له زيارة مدينة (الرجال السبعة، مراكش، البهجة، الحمراء)، فإذا سحرها يلفه، وإذا فتنتها السرية تنفذ حتى أغوار أعماقه الوجدانية والفكرية. ومنذئذ شرع يحس وطفق يحيا بما أنه واحد من أهل هذا الفضاء الحضري، وبمعايشته لأبنائه وصانعي فرجاته أدرك ووعى مدى مماثلته لهؤلاء الرواة الحكواتيين ذوي القرائح الباذخة والخيال الإبداعي السامي والسامق، فقر عزمه على أن يتخذ من مراكش موطنا ومستقرا، فصار يقضي في البهجة الحمراء شهورا ستة ويقضي ما يماثلها في باريس حيث زوجته السيدة مونيك لانج، فلما توفيت زوجته أصبح لا يغادر مراكش وأهلها إلا لإنجاز عمل من الأعمال الثقافية والفكرية المفصحة عن موقفه من الأحداث والوقائع التي عرفها العالم شرقا وغربا خلال العقود الأخيرة من نهاية القرن 20 وبداية القرن 21، وإلا حين يكون مضطرا لحضور مناسبة من مناسبات تكريمه وحصوله على جائزة أدبية، فغير ما مرة عبر عن شديد إحساسه بالحياة في هذا الهنا المراكشي، الذي اختار فيه أهله وأصحابه من بسطاء المراكشيين. ففي درب سيدي بوالفضايل عاش في دارة مغربية أندلسية رفقة أسرة مغربية « تبنى » أطفالها، وتهمم بتنشئتهم وضمان مستقبلهم الدراسي، وفي مقاهي ساحة جامع الفنا كان يجالس الفنانين الذين يقيمون حلقاتهم فيها مغنين ورواة للحكايات والسير

الكاتب خوان غويتيسولو يتوسط مجموعة من المعلمين ڭناوة: عبد الكبير مرشان، وعبد الجليل قدسي، ومحمد تيبيزي، والشريف، و نادل المقهى عبد الحق، وبعض المعجبين بڭناوة، بمقهى ماتيش، سنة 1988، تصوير أحمد بن إسماعيل

     اكتشف خوان غويتيصولو ساحة جامع الفنا، وتعرف على أهلها ممثلين في أولئك الشباب والرجال الذين كانوا يقيمون حلقاتهم الغنائية والحكواتية، كما في أولئك النساء والأطفال الذين يملؤون جنباتها متسولين ما به يقتاتون، ومتخذين من ثراها فراشا ومن سمائها غطاء مع بعض قطع الكارطون. ومن خلال معاشرته لهؤلاء الناس استطاع معرفة النظرة التي كان الآخرون يلقونها عليهم، فهؤلاء الآخرون كانوا يعتبرون أنفسهم أسمى من « أولاد جامع الفنا »، بل الأخطر من ذلك أن ما كان يتم تقديمه من فنون موسيقية وحكائية وتشخيصية لم يكن ينظر إليها سوى بكونها تعابير فنية وثقافية شعبية منحطة، في مقابل ما كان يتقدم من خلال وسائل الاتصال الحديثة من راديو وتلفزة. لكن خوان كان قد رأى في هذه الساحة استمرارا لما كان قد تعرف عليه في كتابات وإبداعات كبار المؤلفين من أمثال رابليه ودوستويفسكي… فقد سجلت كتابات هؤلاء المؤلفين وغيرهم أن في بلدان البحر الأبيض المتوسط والعالم القديم وجدت ساحات مماثلة لساحة جامع الفنا، وأن في هذه الساحات كان الشعب البسيط يستقبل فنونا سمعية وبصرية تستجيب لاحتياجاته الفكرية والوجدانية، بل وفيها كانت الثقافة تجد بوتقة انصهارها وتشكلها إجابات على الأسئلة الوجودية لأبناء البلد

    ولأن خوان غويتيصولو أدرك ببصيرته النفاذة أن هذه الساحة لم تكن قد نسجت حضورها المادي والرمزي عبر التاريخ بفعل قرار إداري، أو نتيجة صدور مرسوم من السلطات، بل تم تخلقها وانتساج سداها ولحمتها من قبل الجماهير الشعبية، فإن خوفه عليها من صدور قرار إداري، أو مرسوم من المؤسسات المنتخبة، يقضي بالعمل على زوالها، وهو ما كان قد تم الشروع فيه حين تم نقل حلقات أصدقائه (كطبيب الحشرات وغيره من الحلايقية…) إلى تلك الفراغات التي كانت تقع خلف أسوار (باب دكالة)، وحين وقع نقل أكشاك الكتب المستعملة من هذه الساحة إلى (عرصة البيلك، فما بين الكتبية وجبانة سيدي علي بن قاسم، ثم باب دكالة)…. لكل ذلك عمل هذا الأديب المناضل على مشروعين: يهم أولهما محاربة تلك النظرة التحقيرية التي كانت لدى المراكشيين عن مرتادي هذه الساحة ومن يعيشون بين أكشاكها وحلقاتها، وكذلك تلك النظرة التبخيسية لما يقدم فيها من فنون، فبادر مع جماعة من أصدقائه إلى ارتداء قمصان كتب عليها عبارة « أنا ولد جامع الفنا بكل فخر ». وينصب ثانيهما على رفع هذه الساحة في المحفل الدولي « اليونيسكو » إلى مرتبة أنموذج ثقافي وفني يصون الذاكرة الشعبية ويضمن لها الاستمرارية في الوجود والتفاعل مع ما يعيشه الناس

صحيح أن هذه الساحة قد تم الاعتراف بها من قبل اليونيسكو باعتبارها تراثا شفويا للإنسانية، وكان من المفروض تنظيم فنانيها، لكي يتمكنوا من ضمان عيشهم بشرف وكرامة، ولأجل تمكينهم من نقل معارفهم وتقنياتهم إلى الأجيال اللاحقة التي ستتكفل بتواتر الفنون والآداب التي ظلت هذه الساحة حاملة إياها قرونا طوالا. لكن، حصلت أشياء وممارسات دفعت الكاتب الأديب والمناضل الشهم خوان غويتيصولو إلى إعلان استقالته من الجمعية التي تم إنشاؤها بغاية تحقيق ما تم الاتفاق عليه مع منظمة اليونيسكو، فقد كتب في الرسالة التي بعث بها إلى رئيس هذه الجمعية وأعضائها معبرا عن خيبته مما آل إليه واقعها قائلا: (…إن الوضع أصبح لا يطاق بالنسبة لي.)٢، ثم مسجلا اقتراحه التالي: (… إن تخصيص مبلغ 3000 درهم شهريا من أجل أداء مستحقات كراء مكتب فارغ يبدو لي أمرا غريبا بل غير طبيعي. ألن يكون من الأفضل توزيع هذا المبلغ على الرواة وفناني الساحة الأكثر احتياجا؟ أو تحويل المقر كملجأ للذين يفترشون الأرض ويتغطون السماء وجيوبهم فارغة…)٣

    فماذا بقي أو سيبقى من هذه الساحة بعد وفاة هذا العاشق لفنونها وحكاياتها الباذخة والعجيبة؟ وماذا بقي أو سيبقى من دفاعه عن فنانيها الرواة الحكواتيين والمغنين؟

ربما ما بقي وسيبقى أولا سيكون هو الحسرة على ما طال فضاء حلقاتها من انحسار وانحصار أمام الامتداد السرطاني الفظيع لأكشاك الأكل، وعلى ما أصاب روادها من فناء وموت بطيء، بعد (… الانطفاء الغريب للسيدالشرقاوي صاحب الحمام والنارجيلة…. والاختفاء المريب للسيد الدكتور « طبيب الحشرات » صاحب النص السوريالي البديع ((أعظم سلطة في العالم))، وإن خسارة هذا المبدع النكرة لتعتبر وتعد من قبل خوان غويتيصولو فائقة بكثير خسارة خمسين كتابا من أكثر الكتب العالمية مبيعا . ولعل أهم ما سيبقى من هذه الساحة هو هذا الحضور الأدبي الذي أنجزه لها خوان غويتيصولو في العديد من أعماله الإبداعية، وعلى رأسها روايته العلامة ((مقبرة))، التي صرح بأنه شرع في كتابتها في مقهى ماطيش، وقد حفت به الأصوات المنبعثة من الآلات الموسيقية ومن الحناجر المراكشية، كما لفته الأدخنة المتصاعدة روائحها من المآكل والمشارب التي يتقدم بها بسطاء تجار الساحة لبسطاء مرتاديها، كما كانت تصله أصوات الرواة الحكواتيين، كل هذا وهو منكب على تسويد أطوار مغامرة عشق جمعت بين ملاك توراتي قادم من عالم مسيج بالقمع والقسر الديكتاتوري وبين مراكشي مقضوم الأذنين من طرف الجرذان ولا يميزه سوى عضوه التناسلي الضخم وعدم قدرته على التفاهم والتفاعل مع الأوروبيين  في فرنسا وأمريكا، لكنها يستعيد إنسانيته حين يعود للحلول في ساحة الفناء بمدينة الرجال السبعة. إن رواية ((مقبرة)) احتفاء احتفالي بساحة جامع الفنا بمراكش، بما أنها ((فضاء تواصلي عجيب، وتجسيد مسبق للمستقبل. فهذه الساحة – وكما يؤكد على ذلك خوان غويتيصولو – هي الجمال، رغما عن كل البؤس المحيط بها، وضدا في كل التعاسة التي توجد داخلها.))٤


١- كان قد تم تكريم خوان غويتيصولو لمرتين من طرف أصدقائه في ودادية سيدي بن سليمان الجزولي، ومجلة آفاق مغاربية حصل تكريمه أولا تحت عنوان خوان غويتيصولو: مسارات وذلك يومي السبت 22 والأحد 23 أبريل 1995، وثانيا ضمن فعاليات اللقاءات الثقافية الإسبانية المغربية التي جرت وقائعها يومي 24 و25 أبريل 1998، وخلال اليوم الثاني 25أبريل 1998 قرأ خوان غويتيصولو نصه: تكريم المراكشي المجهول، وقد احتضنه العدد39 من مجلة: آفاق مغاربية – الحق في الذاكرة الصادر سنة 1999 والذي تمحور حول (ساحة جامع الفنا: تراث شفوي للإنسانية. ميراث متوسطي مشترك)

٢- من الرسالة التي بعث بها خوان غويتيصولو إلى رئيس وأعضاء جمعية جامع الفنا

٣-  نفس المصدر السابق

٤-  من حوار مع خوان غويتيصولو كانت قد أجرته ودونته لوسيت هيلير غولدنبرغ في جامعة كولونيا يوم 12/06/1995، وقد أوردته ضمن مقالها المعنون: ((إعادة قراءات لرواية « مقبرة » بلوغا إلى تأويلات مضاعفة)) المنشور في العدد المزدوج 28/29 من مجلة آفاق مغاربية الصادر سنة 1995 والمعنون: خوان غويتيصولو، مسارات

Votre commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l’aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion /  Changer )

Photo Google

Vous commentez à l’aide de votre compte Google. Déconnexion /  Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l’aide de votre compte Twitter. Déconnexion /  Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l’aide de votre compte Facebook. Déconnexion /  Changer )

Connexion à %s